الحركات الاجتماعية

ربيع وهبه-  جوزيف شكلا

دخل مصطلح الحركات الاجتماعية حديثاً إلى بؤرة الاهتمام والتداول، مصوراً جماعات من الناس يستعرضون جدول أعمال مشترك ويفصحون عن قوة مميزة في المجال العام المحلي والدولي. وقد استجابات السلطات المسئولة في بعض الحالات المهمة لمظاهر التعبير عن "سلطة الناس" الداعلية إلى تغييرات أساسية في القانون والسياسة والمذاهب والأنظمة على سطح الكرة الأرضية. وقد نال هذا الشكل الأخذ في التشابك والعمل المشترك القائم على التنسيق الجيد بين أطرافه كشكل من أشكال العمل الجماعي اعترافاً بصفته "القوة العظمى الثانية" في العالم."[1]

إن مصطلح الحركات الاجتماعية يتسم بالشمول وينم عن شكل أو صيغة من صيغ  العمل الجماعي أكثر من الإشارة إلى القيم التي تحملها هذه الصيغة. فهناك كثير من التحركات وجداول الأعمال الاجتماعية والسياسية يمكن أن تتأهل أو تصنف كحركات اجتماعية. كما أن الأطراف المتمثلة في القاعدة الشعبية لهذه الحركات يمكن أن تتنوع في نمطها وتركيبها بداية من أمهات عاملات يتجمهرن ويحتجون في صمت، وحتى المنظرين الاجتماعيين المثقفين، مروراً بالمتظاهرين المنخرطين في أعمال جماهيرية في شوارع المدن.  

وأمام المدى الواسع من تنوع الحركات الاجتماعية على مدى التاريخ، لا يمكننا التعميم فيما يخص النمط أو الأهداف الخاصة. فالحركات الاجتماعية قد تأتي راديكالية أو إصلاحية أو محافظة أو ثورية أو رجعية. وبعض الحركات الاجتماعية الفردية ولأنها متعددة القطاعات قد تفلت حتى من التصنيف السياسي المعتاد أو تشق عنه. وقد تتصمن بعض الأعمال والأهداف الثورية الملازمة بالتزامن مع حركات برلمانية أو إصلاحية. والمسألة تكمن في تطور العلاقات والأدوات والفنيات أو الوسائل والأساليب المستخدمة أكثر منها في الاستعداد الذي يميز طبيعة الحركات الاجتماعية على وجه العموم. وفي جوهر الأمر، نجد المآل المشترك للحركات الاجتماعية جميعاً هو العمل  الجماعي.

ويفترض للحركات الاجتماعية عموماً أن تظهر استجابة لتدعيم أحد القيم الأخلاقية أو رداً على وقوع ظلم بيّن، وتكون مجسدة لإرادة الشعب أو على الأقل قطاع كبير من الناس. والأحقية المزعومة لقضية حركة اجتماعية معينة ومن يمثلها من أعداد هائلة من المشاركين تجنح دائماً إلى الإفصاح عن إجراءات تتعلق بالشرعية، وذلك بالرغم من – أو ربما بسبب التحدي المفترض للسلطات والقوى المهيمنة الراسخة. ومن هنا، فإن "الحركات الاجتماعية" إنما ظهرت كتسمية إيجابية تضاهي، بالنسبة للبعض، دور الأبطال الشعبيين [2] باستثناء الحركات الاجتماعية [الجماعية] التي لا تُعرف بالضرورة نسبة إلى إحدى الشخصيات الكاريزيمة.

وقد قدم علماء الاجتماع ومراقبين أخرين عدة تعريفات رئيسية للحركات الاجتماعية كأشكال متميزة من السياسة النزاعية،

نزاعية بمعنى أن الحركات الاجتماعية تتضمن إملاء جماعي للمطالب التي، إذا ما تم بلوغها، فإنها تتصارع مع مصالح أحد أخر، وسياسة بمعنى أن الحكومات من نوع أو أخر تكون ماثلة بشكل ما في صنع المطالب، سواء كمطالبة، أو كأهداف للمطالب، أو كحلفاء للمستهدفين بتلك المطالب، أو كمراقبة للنزاع. [3]

وعلى مدى العقود الماضية يمكن تمييز تغيرات تفاعلية كبيرة وحادة في الحركات الاجتماعية أهمها على سيل المثال، حركة التخلص من الاستعمار والتحرر الوطني، ومأسسة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وسقوط الشيوعية، وإنهاء سياسة التفرقة العنصرية وتجريم الألغام الأرضية وترسيخ حقوق المرأة. وهناك قائمة طويلة من القضايا والأنشطة المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية جمعت وعلى نحو متنوع بين جهود فاعلين مختلفين مترابطين بين بعضهم البعض.

 وقد أظهر الناس نزعة طبيعية نحو تغيير الظروف التي تحرمهم من حقوقهم وحسن العيش والعدالة أو التنمية. وبتطوير العلاقات والقضية المشتركة سيكونون أكثر احتمالاً لتقديم مطالب جماعية واتخاذ تحرك جماعي تكتيكي مدركين واحدة أو أكثر من الأهداف الاستراتيجية. ومن بين إسهاماته المتعددة في دراسة الحركات الاجتماعية، قدم "تشارلز تلي" Charles Tilly  تعريفاُ واضحاً ومختصراً أو ما يمكن القول بأنه ما قل ودل في تعريف الحركات الاجتماعية، حيث وصفها على أنها:

"سلسلة من التفاعلات بين أصحاب السلطة وأشخاص ينصّبون أنفسهم وباقتدار كمتحدثين عن قاعدة شعبية تفتقد للتمثيل النيابي الرسمي، وفي هذا الإطار يقوم هؤلاء الأشخاص بتقديم مطالب على الملأ من أجل التغيير سواء في توزيع أو في ممارسة السلطة، وتدعيم هذه المطالب بمظاهرات عامة للتأييد."[4]

وقد شهد العالم تطوراً ملحوظاً في الأدوات والمناهج والأساليب التي تستخدمها الحركات الاجتماعية، والتي تضم التقنيات الحديثة. فقد جلب التلفيزيون حركة الحقوق المدنية الأفرو- أمريكية إلى كافة أنحاء القارة في أواخر الستينيات من القرن العشرين. وفي أواخر السبعينيات من القرن نفسه، شهد العالم "ثورة شرائط الكاسيت" التي انتشرت عبر توزيع خطب "آيت الله خميني." كما أن المعلومات وجهود التعبئة حول الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1988-1993) لا شك زادت ووسعت من استخدام تقنية الفاكس. كما اشتمل التطور الذي شهدناه حديثاً وجود وسائل مثل آليات حقوق الإنسان، والإعلام، والإنترنت وتقنيات الاتصال. وقد طرأ على التقنيات والوسائل الفنية الأخرى ابتكارات تنوعت ما بين الحجج القانونية المتخصصة الدقيقة وبين مسرح الشارع. ولعبت جميع هذه الأساليب مجتمعة دوراً حيوياً في هضم رسالة الحركة وتعبئة المؤيدين.

من ناحية أخرى، شهد العالم تطوراً ملحوظاً في الأدوات والأساليب المستخدمة في الحركات الاجتماعية، وبشكل أوضح بداية من مظاهرات مدينة "سياتل" عام 1999 ضد "منظمة التجارة العالمية" وحتى الآن، وقد شكلت وصبغت المعارضة لسياسات العولمة الاقتصادية. وفي رد على المتسلطين الأغنياء المؤيدين للاقتصاديات الليبرالية الجديدة والذين يعقدون اجتماعاً سنوياً باسم "المنتدى الاقتصادي العالمي"، تجمعت وتضامنت حركات اجتماعية كثيرة وكثفت الاهتمامات والأنشطة في المنتدى الاجتماعي العالمي، 2000- 2005.

بعض الملامح المميزة للحركات الاجتماعية

عند التحدث عن الحركات الاجتماعية، نجدنا في الغالب نتحدث عن جماعات متنوعة الأهداف من خلال  مصطلحات قابلة للتداول والتبادل مثل التحالفات، والحلفاء، والشبكات. وهي جميعها أشكال متميزة من مستويات العمل الجماعي. (فجميع هذه الأشكال يمكن أن تكون جزءًا من حركات اجتماعية والعكس صحيح.) وقد طبق نشطاء شبكة حقوق الأرض والسكن نوعاً من القياس يميز بين هذه الأشكال من العمل الجماعي على أساس تغطيتها "للقصايا والقطاعات":

التشكيل

القضايا

القطاعات

الحركة

متعددة

متعددة

الحلف

متعددة

متعددة

التحالف

فردية

متعددة

الشبكة

فردية

فردية أو متعددة

أنشطة جماعية

فردية

فردية

في هذا الجدول نجد أن حجم و/أو درجة تعقد المعلومات تزداد من أسفل لأعلى. ومن الأهمية بمكان أن نعرف أن الوظائف تتعامل مع قضايا فردية وقطاعات فردية يمكن أن تكون فضفاضة نسبياً وأيضاً غير رسمية، مما يجعل التناول والإدارة أيسر. وكلما كانت المعلومات أكثر تعددية في تشكلها ومادتها كلما كانت رموز العمل واضحة وكانت إدارتها أكثر دقة.

وعمليات الحركة الاجتماعية تبني وتنتج شبكات معلوماتية مكثفة وسط الفاعلين الذين يتقاسمون ويشتركون في هوية جماعية ومنخرطين في صراع اجتماعي و/أو سياسي. وهي تضاهي أو تقابل عمليات التحالف حيث لا تتطلب العلاقات التكتيكية لتحقيق أهداف محددة هوية جماعية، ولكنه أي التحالف يتيح لأعضاءه أيضاً العمل تحت مفردات رعايته وتكفلاته بأمورهم.[6]

وتضم الحركات الاجتماعية ثلاث أنواع من المطالب: البرنامج والهوية والموقف. مطالب البرنامج تتضمن دعم أو معارضة معلنة لتحركات فعلية أو مقترحة من قبل الأطراف التي تسعى الحركة للتأثير فيها. أما مطالب الهوية فهي تـتألف من التأكيد على أننا "نحن" (المطالبين) نشكل قوة موحدة يعتد بها. في حين تؤكد مطالب الموقف على الروابط والمتشابهات الخاصة بفاعلين سياسيين أخرين مثل الأقليات المستبعدة أو جماعات المواطنين ذات التأسيس السليم أو المؤيدين الموالين للنظام. وأحياناً ما تكون الحركات معنية بموقف الفعالين الأخرين مثل حملات الدفاع عن نشطاء أو فاعلين بعينهم أو مجموعات من الحرمان من الحقوق.

ويمكننا تخيل هذه الصيغ أو الأشكال من العمل الجماعي في ضوء بعض الخصائص الموجودة إلى حد ما في جميع تلك الأشكال، وقد نجد فروق في الدرجة تتمثل في:

  • التوجهات الصراعية [الجماعية] فيما يخص المعارضين المحددين بموضوح؛

  • التبادلات غير الرسمية وسط أعضاء المجموعات؛

  • الهوية الجماعية التي يتقاسمها الأعضاء.

وفي جميع هذه النواحي سيكون التقدير الأعلى في الحركة الاجتماعية للتوجه الصراعي والتكثيف الأعلى للتبادل غير الرسمي بين الأعضاء والشعور الواضح بالهوية الجماعية أكثر من الأشكال الأخرى.[7]

ويرى بعض علماء الاجتماع والكتاب السياسيين أن انتعاش المجتمع المدني إبان السنوات الخمس والعشرين الماضية قد جاء على حساب الحركات الاجتماعية، خاصة في الدول الشيوعية أو الاشتراكية سابقاً، وربما في البلاد الناطقة بالعربية. ومع ذلك فإن تحركات مؤثرة قامت بها حركات اجتماعية على مستوى العالم في الحقبة الأخيرة يمكن أن تقودنا لدحض هذا الاستنتاج، حيث يرى أخرون، أنه:

....المجتمع المدني يتألف من أشكال مختلفة من التنظيم، تتطور في سياقات خاصة. والإيمان الزائد بالمجتمع المدني قد يلقي بشيء من الغموض على الفروق المهمة بين المنظمات غير الحكومية ومنظمات الجماهير القاعدية والحركات الاجتماعية وأشكال أخرى من التحرك أو العمل المدني. [8]

علاوة على ذلك، فإنه بالإضافة إلى الأدوار المتزامنة للمجتمع المدني سواء فيما يخص المقرطة/ التحول الديمقراطي أو الأدوار النزاعية، نجد كثير من معالجات "المجتمع المدني" تعزز مفهوم مفاده أن الفاعلين غير الحكوميين وما لديهم من رأسمال اجتماعي يمكن أن يعول عليهم في القيام بخدمات من النوع الذي يجعل الدولة ترفع يدها عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه توفير الخدمات. [9] وهذا المفهوم متميز عن الوظيفة المعتادة للحركات الاجتماعية.

 

كيف تعمل الحركات الاجتماعية؟

تتطلب إدارة الحركات الاجتماعية إتاحة المجال للتنوع الواسع والتعقيد الداخلي. والحركات الاجتماعية يمكن أن تنتفع أو تساعد على خلق مناخ يتيح المجال لتآلف أو تركيب ثلاث عناصر وظيفية:

1.      مجهود عام مستدام ومنظم يملي مطالب جماعية على سلطات مستهدفة (أو بمعنى أخر حملة campaign [10]

2.      تركيبة من التحركات السياسية، تشمل: خلق جمعيات وتحالفات ذات أهداف خاصة، لقاءات عامة، مواكب مهيبة، سهرات تحضيرية، مسيرات، مظاهرات، حملات مناشدة، بيانات في الإعلام العام وإليه، منشورات أو مطويات (مجموعة متكاملة متغيرة من الأداءات أو ذخيرة أداءات الحركة الاجتماعية social movement repertoire

3.      تمثيل المشاركين لجملة من الصفات العامة والمتوافقة تتمثل في: الجدارة worthiness، والوحدةunity ، والزخم العددي numbers، والالتزام commitment تجاه أنفسهم و/أو تجاه قاعدتهم الشعبية.

وهذه الصفات المذكورة يمكن أن تأخذ شكل البيانات، أو الشعارات أو الشارات، تلك العروض التي تنطوي على الجدارة والوحدة والزخم العددي والالتزام: وهذه الصفات تتشكل وفق ما هو مألوف من اصطلاحات أو تركيبات تمثل وقفة الجمهور المحلي، على سبيل المثال

الجدارة: تصرف بوقار؛ ملبس مهندم؛ حضور رجال الدين، الوجهاء، والأمهات مع أطفالهن؛

الوحدة: شارات متضاهية، أو عُصابات الرأس، أو لافتات، أو أزياء موحدة؛ السير في صفوف؛ غناء وترنيم؛

العدد: أعداد المشاركين، الحاضرين، الموقعين على التماس، رسائل من القاعدة الشعبية أو المساندين، ملأ الشوارع؛

الالتزام: تحدي الطقس السيء، مشاركة واضحة من قبل كبار السن والمعاقين،؛ مقاومة القمع؛ التضحية المتباهية، تسديد الاشتراك، و/ أو تبرع. [11] 

وذخيرة الحركة الاجتماعية تتداخل وتشترك في عدد من الأمور مع ذخيرة أداءات ظواهر سياسية أخرى مثل نشاط اتحاد العمال والحملة الانتخابية. وقد قامت الجمعيات ذات الأغراض الخاصة والتحالفات عابرة الحدود إبان القرن العشرين بتنفيذ عدد هائل ومتنوع من التحركات السياسية على مستوى العالم. إلا أن الدمج بين معظم أو كل هذه الظواهر في حملات مستدامة هو ما يميز الحركات الاجتماعية عن أي تنوعات أخرى في مجال السياسة.  

ولكي تنجح الحركات الاجتماعية في بناء وزن مقابل للقوى المهيمنة يجب أن تواصل التطور وألا تتقاعس عن استخدام كافة الأدوات المتوافرة. وكلما عظم عدم التوازن في القوة أو السلطة كلما اعتمد التحدي على علاقات تعددية وأدوات متنوعة من التحرك. وهذا ما قد يشمل أيضاً أدوات أو أساليب دفاعية قائمة على الاعتماد الذاتي مثل التضامن الجماعي وتجميع الموارد أو قد تتضمن تدعيم مجال العمل أو التحرك بوسائل أو أدوات قانونية. ومن ثم فإن الحركات الاجتماعية قد تجسد أيضاً وسائل فنية استراتيجية مؤثرة وفعالة ولكن أقل استعراضية من التظاهر العام النمطي.

وشبكة حقوق الأرض والسكن بدورها قد قامت بسبر أغوار مفهوم وخبرة الحركات الاجتماعية التي أثمرت تغيراً مادياً واقعياً من خلال تحسين ظروف العيش ضمن عملية من الإنتاج الاجتماعي. وقد تمكن أعضاء شبكة حقوق الأرض والسكن من توفير نماذج من خبراتهم الخاصة فيما يتعلق بـ "الإنتاج الاجتماعي للموئل" كنماذج عملية من العمل الجماعي المستدام. ومن بين القواسم المشتركة في هذه المفاهيم والممارسات المرتبطة ببعضها البعض تأتي أهمية إدارة رأس المال الاجتماعي كمورد ثمين في الإنتاج الاجتماعي والحركات الاجتماعية عموماً والإنتاج الاجتماعي للموئل كنموذج لذخيرة خاصة من الأدوات والتقنيات الجماعية.

أنماط الحركات الاجتماعية

تميزت الحركات الاجتماعية على مدى العقود الماضية بتنوع ثري على مستوى الاهتمامات والأهداف؛ حيث احتوت ضمن مجالات كثيرة، على: الحماية البيئية، والقضاء على الألغام، وتعزيز حقوق المرأة، ومكافحة الفقر، وكل من الأصولية والإصلاح الديني، ومعارضة عقوبة الإعدام، وتعزيز حقوق الحيوان، والتشريع ومعارضة الإجهاض، وحماية الأقليات، ومحاربة التمييز القائم على الميول الجنسية، وغير ذلك كثير.

وإذا حاولنا الاستناد إلى المراجع التاريخية والمهمة في علم الاجتماع نجد البعض يميز  بين نوعين من الحركات الاجتماعية، هما: الحركات التي تسعى إلى تغيير القواعد والأحكام المعمول بها، والحركات التي تهدف إلى تغيير القيم وتجديد الأخلاق. ويتحفظ كل من "بودون وبوريكو" على هذا التمييز، فالمواجهة بين مفهوم نفعي وآخر مثالي للحركة الاجتماعية- في رأيهما- هي مواجهة خادعة؛ إذ أن المشاركون في حركة اجتماعية واحدة قد تحركهم دوافع مثالية وأخرى نفعية في آن واحد. وفضلاً عن ذلك فإن الحركات الموجهة نحو القيم لا تشكل كلا متجانساً؛ فالإرهاب "الروسي" كان حركة اجتماعية على غرار المقاومة السلبية لغاندي، وإن كان الأول يلجأ إلى العنف، والثاني يجعل من تنكره للعنف أحد مبادئه الأساسية. ومع ذلك يمكننا اكتشاف سمة مشتركة بين كل الحركات الموجهة نحو القيم، وهي أنها المكان الراجح لليقين الذاتي حسب تعبير "ماكس فيبر".

 

أما الفكر الماركسي فنجده في عمومه يميز بين خمسة أنواع من الحركات الاجتماعية وهي (العمالية، والطلابية، والفلاحية، والنسائية، والثقافية)، ويستند هذا التمييز إلى أن الفئات الاجتماعية الداخلة فيه هي التي تشكل القوى الرئيسية المكونة لأغلبية الشعوب والمجتمعات المعاصرة، وهي في الوقت ذاته القوى الرئيسية للإنتاج، كما أنها أكثر القوى الاجتماعية تخلفا فيما يتعلق بظروف عملها وأحوال معيشتها.

 ومن الطبيعي عند السعي إلى الوقوف على تصنيف مميز للتحرك الاجتماعي الجماعي أن نجد من الأهمية أيضاً التعرف على أن الحركات الاجتماعية تتداخل وتتضاهى من وقت لأخر لأسباب استراتيجية وتكنيكية. وفي المقابل، يمكن للحركات الاجتماعية أن تشكل علاقات أكثر مأسسة، تتداخل فيها الوظائف وتتلاشى فيها الحدود الفاصلة. وبعض الحركات الاجتماعية أيضاً يمكن أن تتمثل في تحالفات وشبكات ويمكن أن تشكل أنواع أخرى من التحالف ويمكن في الحقيقة أن تتألف من منظمات مجتمعية محلية ومنظمات غير حكومية.

التحالف الدولي للموئل- شبكة حقوق الأرض والسكن

إن شبكة حقوق الأرض والسكن والتحالف الدولي للموئل الذي يمثل المظلة الأوسع يتألف أيضاً من أعضاء يمثلون حركات اجتماعية ذات مطالب خاصة أو ذاتية. فهناك على سبيل المثال "حركة شعب بلا أرض" The Movimento sem Terra  وحركة União de Movimentos de Moradia,  في البرازيل، وحركة التحالف الوطني للمستأجرينHUD  في الولايات المتحدة الأمريكية، ومجمع الفقراء الحضر في إندونيسيا كأعضاء وعناصر لقواعد شعبية فعالة في التحالف الدولي للموئل. كذلك عضو شبكة حقوق الأرض والسكن في نيروبي، وهو معهد "مازينجيرا" القائم على تنفيذ أعمال برنامج جنوب الصحراء، والذي لعب دوراً رئيسياً في حركة الإصلاح الدستوري على مستوى البلاد في كينيا. وفي السنوات القليلة الماضية تضامن أعضاء من ذوي التاريخ والوقفات الطويلة في "بيرو" عبر حركات وطنية تحت راية "الحق في السكن الملائم." وأيضاً الحملة الوطنية لحقوق السكن The National Housing Rights Campaign في الهند، كل هذا ساهم بشكل عظيم في التحالف الدولي للموئل وشبكة حقوق الأرض والسكن على مر السنين.

وبالإضافة إلى ممثلي الحركات الاجتماعية الذين يخدمون في الأصل في مجلس إدارة التحالف كممثلين إقليميين، فإن دستور التحالف الدولي للموئل يخصص مقعدين في مجلس الإدارة لممثلي الحركات الاجتماعية. وهو ما يعكس الطبيعية الجماعية والتعاونية للتحالف الدولي للموئل، والذي يشكل في حد ذاته نوعاً ما من الحركات الاجتماعية، يعمل على تقدم ودعم تفعيل حقوق السكن وتحسين الظروف المعيشية للمفقرين والمهمشين والمهجرين في العالم.

وهذا الاستكشاف الجماعي هو ما دفعنا لتقديم هذا القسم على موقعنا بغرض تقديم نماذج من الحركات الاجتماعية- الكبير منها والصغير- والتي تهدف إلى الإنتاج الاجتماعي للموئل في سياقها وبظروفها. وقد تم بالفعل رصد ملامح مشتركة لحركة اجتماعية ذات خصوصية إقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث:

تعتمد عمليات الإنتاج الإجتماعي على إيجاد أفراد وشركاء من داخل المجتمع المحلي يسهمون بعملهم ووقتهم أو بتوفير المواد أو المال اللازمين أو كلاهما (على سبيل المثال من خلال برامج التوفير) في بناء أصول مجتمعية في شكل مساكن أو بنية تحتية أو خدمات أو برامج تدخل تحسينات على البيئة أو إنجازات أخرى تعود بالنفع على المشاركين في العمل أو القائمين بالمبادرة على المستوي المحلي. [12]
 


[1] استخدمت العبارة للمرة الأولى في رد فعل على المظاهرات الحاشدة التي ضمت عشرة ملايين متظاهر ومحتج ضد التهديد الأمريكي بغزو العراق في 15 فبراير/شباط. أنظر: Jonathan Schell, "The Other Superpower," The Nation (14 April 2003), http://www.thenation.com/doc.mhtml?i=20030414&s=schell; James F. Moore, "The Second Superpower Rears its Beautiful Head,” Berkman Center for Internet and Society at Harvard Law School (31 March 2003), at:

http://cyber.law.harvard.edu/people/jmoore/secondsuperpower.html; The Second Superpower: Cooperation, Politics and Activism, at:

http://www.worldchanging.com/archives/cat_the_second_superpower_cooperation_politics_and_activism.html.

[2] Eric Hobsbawm, Primitive Rebels: Studies in Archaic Forms of Social Movement in the 19th and 20th Centuries (Manchester: Manchester Univ. Press, 1963).

[3] تشارلز تيلي، "الحركات الاجتماعية" 1786-2004، ترجمة ربيع وهبه، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005.

[4] Charles Tilly, “Social Movements as Historically Specific Clusters of Political Performances," Berkeley Journal of Sociology 38 (1994): 1-30.

[5] For example, see WSF 2005: “Call from social movements for mobilizations against the war, neoliberalism, exploitation and exclusion,” at: http://www.cadtm.org/article.php3?id_article=1153.

[6]  Mario Diani and Ivano Bison, Organizations, Coalition, and Movements, Theory and Society, Vol.33 (2004).

[7]  Mario Diani, "The Concept of Social Movement"; Mario Diani, "Networks and Social Movements: A Research Program," in Mario Diani and Doug McAdam, eds., Social Movements and Networks: Relational Approaches to Collective Action (Oxford/New York: Oxford University Press, 2003), 299–319.

[8] “Civil society and social movements,” UNRISD, Research:

http://www.unrisd.org/80256B3C005BB128/(httpProgrammeAreasForResearchHome)/F25CB3CC77AD656E80256B750053D399?OpenDocument.

[9] Civil society is perceived and expected “to fill the gap left by downscaled state services, [thus,] infrastructural and direct financial assistance should be complemented by the promotion of supportive civil society institutions.” See Stephan Baas [FAO Rural Development Division], “Participatory institutional development” paper presented at the International Academic Exchange Conference on Sustainable Agriculture and Sand Control in Gansu Desert Area, China, 3–8 November 1997, http://www.fao.org/sd/PPdirect/PPan0012.htm. See also Peter Niggli, “Should private agencies withdraw from development cooperation?” Graduate Institute of Development Studies (IUED) Yearbook, 2004 (Geneva: IUED, 2004), at http://www.un-ngls.org/cso/cso6/sdc.pdf.

[10] A campaign always links at least three parties; a group of self-designated claimants, some object(s) of claims, and a public of some kind. Not the solo actions of claimants, object (s), or public, but interactions among the three, constitute a social movement.

[11] تشارلز تلي، الحركات الاجتماعية 1768-2004، ترجمة ربيع وهبه، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005.

[12] Joseph Schechla, ed., Anatomies of a Social Movement: The Social Production of Habitat in the Middle East/North Africa (Cairo: HLRN, 2004), p. 2.